هناك لحظات في مسيرة أي شركة ناشئة تبدو أكبر منها. لحظات تُدرك فيها أن ما تبنيه لا يخصّك وحدك — بل يلامس شيئًا أعمق وأوسع. هذا بالضبط ما شعر به فريق حلمنا (Holmena) حين وجد نفسه في قلب أوغندا، محاطًا بعلماء وباحثين من كل ركن إفريقي، يتحدثون بلغة واحدة: مستقبل الإنسان مكتوب في جيناته، ومهمتنا أن نقرأه بشكل صحيح.
من هي شركة حلمنا؟ قصة بدأت بحلم تونسي
قبل أن نتحدث عن أوغندا، لا بد أن نعرف من هم هؤلاء الذين قطعوا آلاف الكيلومترات ليحملوا اسم تونس إلى قلب القارة السمراء.
حلمنا (Holmena) شركة تونسية ناشئة في مجال تكنولوجيا المعلومات والحلول الرقمية، مقرها مدينة المرسى بتونس. ليست شركة عادية تبيع برمجيات وتنتظر العملاء — هي في جوهرها مشروع فكري يؤمن بأن الابتكار الحقيقي يُولد حين تلتقي التقنية بالمشكلات الإنسانية الكبرى.
يقود هذا المشروع محمد رشاد روين، شاب تونسي جمع في تكوينه بين عالمين: إدارة الأعمال من المدرسة العليا للعلوم الاقتصادية والتجارية (ESSECT)، وتكنولوجيا المعلومات من مدرسة تونس للأعمال (Tunis Business School). هذا المزيج غير الاعتيادي منحه نظرة 360 درجة على عالم التقنية والأعمال معًا — وهو بالضبط ما تحتاجه شركة تريد أن تبني جسورًا بين العلم والتطبيق.
رؤية الشركة واضحة وطموحة: أن تكون مزوّدًا رائدًا للحلول الرقمية المبتكرة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا. ليس فقط خدمة العملاء، بل المشاركة الفعلية في بناء المنظومة التقنية للقارة.
فبراير 2025 — حين وصل الفريق التونسي إلى كمبالا
في الفترة بين 2 و10 فبراير 2025، توجّه فريق حلمنا إلى كمبالا، عاصمة أوغندا، للمشاركة في ثلاثة أحداث علمية متزامنة جمعت صفوة العلماء والمبتكرين في مجال علم الجينوم الإفريقي:
١. مؤتمر الجمعية الإفريقية لعلم الوراثة البشرية (African Society of Human Genetics Conference) من أبرز المنابر العلمية الإفريقية المتخصصة في الجينوم البشري، يجمع كل عام أفضل العقول لمناقشة أحدث الاكتشافات وأعمق التحديات.
٢. مؤتمر جمعية أوغندا لعلم الوراثة (Uganda Genetics Society) صوت محلي قوي يمثّل الطموحات الجينومية لشرق إفريقيا، ويعكس مدى الجدية التي تتعامل بها أوغندا مع علوم الحياة كرافد للتنمية.
٣. ورشة عمل تنوع الجينوم الإفريقي (African Genome Diversity Workshop) ولعل هذه كانت الأقرب إلى قلب الفريق — ورشة عمل متخصصة تناقشت حول سؤال جوهري: لماذا لا تمثّل البيانات الجينومية الإفريقية سوى نسبة ضئيلة من قواعد البيانات العالمية، رغم أن إفريقيا هي مهد التنوع البشري؟
أسبوع كامل في قلب المستقبل: ماذا جرى في أوغندا؟
تخيّل أن تجلس في قاعة يحيط بك علماء من نيجيريا وكينيا وجنوب إفريقيا وتونس وأوغندا وغانا — كلٌّ منهم يحمل قطعة من أحجية كبيرة تُسمى "صحة القارة الإفريقية". هذا هو المناخ الذي عاشه فريق حلمنا طوال ثمانية أيام.
الذكاء الاصطناعي والجينوم: الزواج الذي قد يغيّر الطب
النقاش الأكثر إثارة كان حول دور الذكاء الاصطناعي في قراءة الجينوم البشري. الأمر لم يعد نظريًا — شركات مثل Google DeepMind و Roche تقدّم نماذج حية لكيفية استخدام الخوارزميات في اكتشاف الأمراض الوراثية قبل ظهور أعراضها، وفي تصميم أدوية مستهدفة بدقة جراحية.
الطب الدقيق: نهاية عصر "نفس الدواء للجميع"
لقرون طويلة، اعتمد الطب على مبدأ التعميم: نفس الدواء، نفس الجرعة، لكل من يعاني من نفس الأعراض. الطب الدقيق (Precision Medicine) يكسر هذه المعادلة تمامًا. حين تعرف الجينات الكاملة للمريض، تستطيع أن تعرف أي دواء سيؤثر فيه، وأيها قد يضرّه. هذا ليس خيالًا علميًا — إنه يحدث اليوم، وإفريقيا تريد نصيبها منه.
الفجوة الجينومية الإفريقية: المشكلة التي لا يسمع عنها أحد
هذا ربما كان أهم نقاش في المؤتمر بأسره: أكثر من 70% من قواعد البيانات الجينومية العالمية تأتي من سكان من أصول أوروبية، رغم أن إفريقيا تضم أعظم تنوع جيني بشري على وجه الأرض. هذا يعني أن الأدوية المطوّرة بناءً على هذه البيانات قد تكون أقل فاعلية — أو حتى خطرة — على شرائح واسعة من السكان الأفارقة. سدّ هذه الفجوة ليس مسألة علمية فحسب، بل مسألة عدالة إنسانية.
الشركاء الذين جعلوا هذه الرحلة ممكنة
لا يُبنى شيء عظيم بمفرده. خلف هذه المشاركة شبكة من الشركاء الذين يؤمنون بنفس الرؤية:
🔬 الجمعية الإفريقية لعلم الوراثة البشرية المنظّم الرئيسي للحدث، والصوت العلمي الأرفع في مجال الجينوم عبر القارة الإفريقية. وجودهم يضمن أن النقاش يبقى على مستوى القرار والتأثير الحقيقي.
🎓 Wellcome Connecting Science الذراع التعليمية والتدريبية لمؤسسة ويلكم (Wellcome Trust)، إحدى أكبر المؤسسات الخيرية في مجال الصحة والعلوم في العالم. تمويلهم وتنظيمهم لورشة العمل التدريبية أضاف عمقًا عمليًا نادرًا لما كان يمكن أن يبقى مجرد نقاش نظري.
🤖 Google DeepMind الاسم الذي يُلقي بظلاله على كل نقاش جاد حول الذكاء الاصطناعي في الطب. من نماذج AlphaFold التي ثوّرت علم بروتينات الحياة، إلى أدوات تحليل الجينوم — DeepMind تُبيّن كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون حليفًا لا بديلًا للعلماء.
💊 Roche عملاق التشخيص الطبي والمستحضرات الصيدلانية السويسري، الذي يستثمر منذ سنوات في ربط بيانات الجينوم بتطوير الأدوية. حضورهم في هذا المؤتمر يقول بوضوح: القطاع الخاص جادّ في شراكته مع العلم الإفريقي.
🇹🇳 معهد باستور تونس (Institut Pasteur de Tunis) الشريك التونسي العريق الذي يحمل تاريخًا يمتد إلى عام 1893. منذ أن أجرى فيه العالم شارل نيكول أبحاثه التي أهّلته لنيل جائزة نوبل في الطب عام 1928، ظل معهد باستور تونس ركيزة علمية لا تُستغنى عنها في المنطقة. دعمه لفريق حلمنا لم يكن مجرد دعم مؤسسي — كان تزكية علمية بامتياز.
لماذا يهمّنا هذا؟ تونس في قلب الحوار الجينومي الإفريقي
قد يتساءل أحدهم: ما علاقة شركة تونسية ناشئة في تكنولوجيا المعلومات بمؤتمرات الجينوم؟
الإجابة أعمق مما تبدو. التقنية اليوم هي العمود الفقري للبحث العلمي. الجينوم بحد ذاته مجرد بيانات — ضخمة ومعقدة وبحاجة إلى أدوات رقمية متطورة لتحليلها وتأويلها. شركات مثل حلمنا، التي تمزج بين التقنية والفهم العميق لاحتياجات المنطقة، هي بالضبط ما تحتاجه منظومة الجينوم الإفريقي لكي تنمو.
وتونس تحديدًا ليست مجرد مشارك عرضي في هذا الحوار. هي دولة تحتل المرتبة الثالثة إفريقيًا في مؤشر الابتكار العالمي، وتضم كثافة استثنائية من خريجي العلوم والهندسة والرياضيات. البنية البشرية موجودة — المطلوب هو الجسور التي تربطها بالسوق الإفريقية الأوسع.
ما الذي تغيّر بعد أوغندا؟
الذين عادوا من كمبالا ليسوا تمامًا من سافروا إليها.
ليس لأن الرحلة كانت قصيرة أو طويلة — بل لأن ما شهدوه كان كافيًا ليزرع سؤالًا جديدًا في كل من استمع: نحن ماذا نبني؟ وهل ما نبنيه يستحق هذا المستقبل الذي رأيناه يتشكّل؟
الرؤى التي خرجت من ورشات العمل، والتعاونات التي بدأت بمصافحات في ردهات المؤتمر، والإلهام الذي لا يُقاس — كل هذا يظل وقودًا حيًّا لما تبنيه حلمنا اليوم.
الاعتقاد الذي خرج منه الفريق أكثر رسوخًا من أي وقت مضى: الابتكار، حين يكون مدفوعًا بالتعاون والأخلاقيات والتقنيات المتقدمة، قادر على تحويل مسار الصحة العالمية.
خلاصة: رحلة صغيرة، معنى كبير
في عالم يتسابق فيه الجميع على الحضور الرقمي والإعلاني، اختار فريق حلمنا نوعًا مختلفًا من الحضور: أن يكون في الغرفة حيث تُتّخذ القرارات، حيث يُبنى العلم، حيث يُرسم مستقبل القارة التي ينتمون إليها.
من تونس إلى أوغندا، ومن المرسى إلى كمبالا — هذه ليست مجرد رحلة عمل. هي إعلان بسيط وصامت بأن هناك جيلًا تونسيًا جديدًا لا ينتظر أن تُفتح له الأبواب، بل يبني أبوابه الخاصة ويمشي من خلالها.
حلمنا — لأن الحلم الكبير يبدأ دائمًا بخطوة نحو المجهول.
وسوم البحث: Holmena Tunisia | شركة حلمنا تونس | مؤتمر الجينوم الإفريقي أوغندا | African Society of Human Genetics | الذكاء الاصطناعي والطب الدقيق | شركات ناشئة تونسية | Mohamed Rashad Rouine | Institut Pasteur Tunis | Wellcome Connecting Science | Google DeepMind genomics Africa





تعليقات: 0
إرسال تعليق